Page 140 - web
P. 140

‫مقالات وآراء‬

‫الجريمة تبحث عن منصة…‬
                ‫فلا تمنحوها‬

‫كلما ناقشنا دور الإعلام في مكافحة الجريمة‪ ،‬ذهب الحديث إلى‬                     ‫علي الحازمي‬
                                                                          ‫رئيس تحرير صحيفة سبق‬
‫التوعية‪ :‬حملات‪ ،‬وشعارات‪ ،‬ورسائل تحذير‪ .‬وهذا جزء صحيح‪ ،‬لكنه الجزء‬
‫الأسهل‪ .‬أما الدور الأعمق‪ ،‬الذي تعّّلمته من غرفة أخبار تنشر مئات‬                                   ‫‪140‬‬
‫المواد يومًًيا‪ ،‬فهو أن الإعلام يكافح الجريمة أواًلا بما يرفض أن يفعله‪.‬‬

‫الجريمة الحديثة لا تحتاج إلى سلاح بقدر ما تحتاج إلى سرد‪ .‬المحتال‬
‫المالي يبيع قصة قبل أن يبيع وهًًما‪ ،‬والمتطرف يج ّّند بحكاية قبل أن‬
‫يج ّّند بأمر‪ ،‬وعصابة الابتزاز تعيش على خوف ينتشر أسرع من الحقيقة‪.‬‬

‫في كل هذه الحالات‪ ،‬المنصة هي نصف الجريمة‪ .‬وحين يعيد الإعلام‬
‫نشر مقطع مر ّّوع «للتحذير»‪ ،‬أو يمنح مجر ًًما بطولة العنوان‪ ،‬أو يترك‬

‫شائعة تتداولها المنصات ساعات قبل التحقق منها‪ ،‬فإنه يتحول‪ ،‬بلا‬

                                          ‫قصد‪ ،‬إلى شريك في التوزيع‪.‬‬
‫من هنا‪ ،‬أصبح أهم قرار تحريري في زمننا قرار الامتناع‪ :‬أاّلا نسّّمي منّّفذ‬
‫العملية الإرهابية بما يمنحه الخلود الذي أراد‪ ،‬وأاّلا نبث تسجيل الابتزاز‬
‫حتى لو انتشر‪ ،‬وأاّلا ننقل عدد الضحايا قبل أن تعلنه جهة مسؤولة‪.‬‬
‫فالسبق في النشر على حساب التحقق قد يمنح مكسًًبا مهنًًيا عابًًرا‪،‬‬

                                 ‫لكنه يخّّلف خسارة أمنية طويلة الأثر‪.‬‬
‫الأداة الثانية هي التحقق بوصفه عماًلا أمنًًيا‪ ،‬لا مهنًًيا فحسب‪.‬‬

‫الشائعة في أوقات الأزمات ليست مجرد خطأ صحفي‪ ،‬بل ثغرة يدخل‬
‫منها العدو والمحتال مًًعا‪ .‬ولذلك جعلنا في «سبق» المصدر الرسمي‪،‬‬

‫لا المصدر الأسرع‪ ،‬أساس كل خبر أمني‪ ،‬وجعلنا التصحيح العلني حين‬
‫نخطئ جزًًءا من العقد مع القارئ‪ .‬فالثقة التي تبنيها المؤسسة‬
   135   136   137   138   139   140   141   142   143   144   145